في مهرجان برلين السينمائي لهذا العام، خلقت المخرجة التونسية كوثر بن هنية لحظة تاريخية وصادمة حين رفضت استلام جائزة “الفيلم الأكثر قيمة” عن عملها “صوت هند رجب”، معتبرة أن هذه الجائزة ليست تكريماً للفن بل تذكيراً بالدم وهشاشة السلام.
أكدت بن هنية، في كلمات رُفضت كصوت صريح في وجه العنف، أن مأساة هند رجب ليست حالة استثنائية، بل تجسيد لإبادة جماعية مستمرة، وأن السينما لا ينبغي أن تتحول إلى أداة تجميل “لغسيل صورة العنف” أو إسكات الأصوات التي تصارع للبقاء.
هذا الرفض كشف هشاشة موقف المهرجان الذي طالما اعتُبر مساحة لتكريم الحرية والتعبير، ليظهر اليوم كمنصة “حيادية” تفتقر إلى التزام أخلاقي وقانوني تجاه النزاعات والظلم، لا سيما تجاه مأساة غزة.
سبق هذه اللحظة رسالة مفتوحة موقعة من أكثر من 80 شخصية سينمائية بارزة، مثل خافيير بارديم وتيلدا سوينتون، نددت بـ”الصمت المؤسسي” لمهرجان برلين حيال ما يجري في غزة، مقارنة بمواقف واضحة أبدتها في ملفات أخرى مثل الأزمة الأوكرانية.
وأثارت هذه الانتقادات جدلاً واسعاً خلال المؤتمرات الصحفية، حيث حاولت إدارة المهرجان التهرب من تقديم موقف واضح، متحدثة عن حرية التعبير والحياد ذي الوجه المزدوج الذي قد يفضي إلى تواطؤ.
في الوقت نفسه، كانت عروض الأفلام تتناقض مع هذا الصمت، إذ احتفى الجمهور بأعمال تفضح الظلم مثل فيلم “لا رجال طيبون” الأفغاني، لتُطرح أسئلة محرجة حول التمييز في مواقف المهرجان تجاه قضايا إنسانية وسياسية مختلفة.
تصريحات رئيس لجنة التحكيم فيم فيندرز التي دعت إلى “إبعاد السينما عن السياسة” زادت من حدة الانقسامات، حيث اعتبرها الكثيرون منفصلة عن واقع النزاعات، حتى انسحبت الكاتبة الهندية أرونداتي روي احتجاجًا.
في قسم المنتدى، طرح فيلم “عمارة الجدران” نقاشًا حول جدران الصمت التي تضعها المؤسسات الثقافية لأجل حماية مصالحها، ليعكس هذا الأمر أزمة شرعية يتعرض لها المهرجان نفسه.
رغم البيان الدفاعي الذي أصدرته إدارة المهرجان مؤكدة على حق الفنان في الكلام والصمت، إلا أن تضارب أدوار المهرجان بين منصة للحريات ومنصة محايدة شكل مأزقًا أخلاقيًا وعنوانًا لتساؤلات حول دور المهرجانات الكبرى في العالم الحديث.
مع اقتراب موعد الجوائز، تخيم أجواء من التوتر المتزايد، إذ يبدو أن أي خطاب حائز على الجوائز قد يتحول إلى بيان قوي يُحد من محاولات إدارة المهرجان لتفادي المواجهة.
محصلة الأمر أن “برليناله 2026” لم يعد مجرد مناسبة لعرض الأفلام، بل أضحى منصة اختبار حقيقية لمعنى حرية التعبير في الغرب، حيث يُطرح السؤال: هل تستطيع السينما الاحتفاء بالحقوق الإنسانية والعدالة في ظل استمرار الأزمات والتعتيم الإعلامي؟
النجاح الحقيقي كان من نصيب تلك الأصوات الجريئة التي رفضت الصمت والتواطؤ، وأظهرت من خلال أعمالها الفنية أن الحقيقة لا تحتاج إلى مؤثرات بصرية ضخمة، بل إلى شجاعة السينمائيين الذين يواجهون العنف بجرأة وأصالة.
في النهاية، يستمر “صوت هند” في مطاردة الضمائر، حتى عندما تخفت أضواء السجادة الحمراء وتخلو قاعات العرض من التصفيق، ليثبت أن للسينما دورًا أخلاقيًا لا يمكن تجاوزه في توثيق وإدانة الانتهاكات.
sahefa.digital
