واشنطن تراوح بين التفاوض والاحتشاد العسكري تجاه إيران

تتواصل جولة المفاوضات النووية غير المباشرة في جنيف بوساطة عُمانية وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت واشنطن تستخدم الحوار كذريعة لتهيئة ضربة عسكرية على إيران، كما جرى في يونيو الماضي، أو أنها تعتمد الحشد العسكري كأداة ضغط لجبر طهران على القبول بشروط اتفاق سريع.

في تصريحات علنية، لم يستبعد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اللجوء إلى القوة، رغم تفضيله الحل الدبلوماسي، مؤكدًا أن مفاوضات بلاده مع إيران مستمرة بهدف منعها من امتلاك سلاح نووي. فيما صرح نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس بأن الإدارة مستعدة لاستخدام “أدوات غير دبلوماسية” إذا اقتضت الضرورة، محذرًا من وجوب أخذ التهديدات بجدية.

تُبقي هذه التصريحات الباب مفتوحاً أمام احتمالية ضربة عسكرية، وهو ما تُعتبره طهران تآمراً يفرغ التفاوض من مضمونه ويحول العملية إلى مفاوضات تحت ضغط عسكري.

سبق الهجوم الإيراني على قاعدة العُديد في يونيو جعل طهران في حالة تأهب مرتفعة تنسجم مع أجواء المفاوضات، كما يشير أستاذ الدراسات الأمريكية فؤاد إيزدي الذي يرى أن واشنطن قد تعيد استخدام التفاوض كعملية خداع إن رأت أن التكلفة البشرية لن تكون مرتفعة.

في الوقت نفسه، أشار القيادي السابق في الحرس الثوري حسين كنعاني مقدم إلى توقع اندلاع مواجهة عسكرية محدودة في الخليج قد تُعقَب بدعوات أممية للتهدئة وفرض التزامات على إيران.

على صعيد التحركات الميدانية، يشهد الخليج والشرق الأوسط تحشدات أمريكية واسعة تشمل حاملتي طائرات، أنظمة دفاع صاروخي، وانتشار مقاتلات متقدمة مثل “إف-22 رابتور” في إسرائيل. كما غادرت سفن الأسطول الأمريكي الخامس قواعدها في البحرين إلى عرض البحر وسط مخاوف من استهداف محتمل.

تعكس هذه التحركات تداخلاً واضحاً بين دبلوماسية الحوار والضغط العسكري، حيث تربط بعض التحليلات احتمالات فشل المفاوضات بارتفاع فرص العمل العسكري، وربما تنفيذ ضربة “محدودة” تستهدف قدرات معينة لإجبار طهران على شروط أشد عند استئناف التفاوض.

تصريحات ترمب التي صنّف فيها إيران كدولة راعية للإرهاب وهدد باستخدام كافة الخيارات لردعها، خاصة بشأن برامج الصواريخ النووية والبعيدة المدى، تؤكد التوتر المتصاعد وإمكانية تصعيد الأزمة.

من جهتها، تنفي طهران بشدة هذه الاتهامات ووصفتها بأنها “أكاذيب كبرى”، محذرة من أن أي هجوم محدود سيقابل برد قوي، رغم استمرارها في الحوار.

في نهاية المطاف، لا برهان قاطع على أن واشنطن قد حسمت خيار الهجوم العسكري، لكن تزامن الحشد الميداني مع لغة الدولتين وتصاعد الحرب الكلامية يعكسان مناخًا من عدم الثقة والتهديد المتبادل قد يؤدي إلى تصعيد سريع إذا فشلت جولة المفاوضات أو لم تستجب طهران لمطالب واشنطن.

يبقى المشهد مفتوحاً أمام سيناريوهات متعددة تتراوح بين استمرار الحوار تحت ظلال التهديد، وضربة عسكرية “محدودة” مرشحة لإعادة ترتيب أوراق التفاوض.

هذا المزيج المعقد من الدبلوماسية والتهديد العسكري يشكل اختبارًا صعبًا لمساعي الاستقرار في منطقة بالغة الحساسية والتوتر.

شاهد أيضاً

يكشف ماكرون عن وجهة جديدة لفرنسا في القارة الأفريقية

شرع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منذ أيام في القيام بسلسلة لقاءات ثنائية في قصر الإليزيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *