يفكك دافيد لو بروتون أزمة الجسد والهوية في الحداثة

يُعتبر العالم الفرنسي دافيد لو بروتون من أبرز المفكرين الذين تناولوا مسألة الجسد والهوية في العصر الحديث، حيث وضع حجر الأساس لمنهجية “السوسيولوجيا الوجودية” التي تنطلق من قراءة الجسد بوصفه فضاءً دلالياً وثقافياً متغيراً.

منذ نشأة مشروعه الفكري في ثمانينات القرن الماضي بأعمال مثل “الجسد والمجتمع”، كسر لو بروتون النظرة البيولوجية التقليدية للجسد، ليحوّله إلى مرآة تعكس التوترات الوجودية والاجتماعية في عالم متزايد التقنية وضجيجه.

## الجسد بين الثقافة والتشييء

يرى لو بروتون أن الجسد في المجتمعات التقليدية كان متكاملاً مع الجماعة، وأداة تواصل حيّة بين الفرد والكون، لكن الحداثة فرضت عليه دوراً مختلفاً كمجرد آلية بيولوجية قابلة للقياس والاستبدال. في ظل النزعات الثنائية والعقلانية الحديثة، انقسم الإنسان عن جسده، مما أفضى إلى حالة اغتراب قاتمة.

في عصرنا الرقمي، ينتقل الجسد إلى حالة “الجسد المعلوماتي” حيث يُختزل الوجود الإنساني إلى بيانات مجردة، يجعلنا نتواصل كأشباح عبر الشاشات، مما يُضعف المسؤولية الأخلاقية ويقلص من الحوار الإنساني الحقيقي.

## الوجه كرمز وجودي وأخلاقي

يمثل الوجه، في فلسفة لو بروتون، مركز الهوية والاعتراف المتبادل، وهو ما يتآكل مع سيطرة الرموز التعبيرية والواجهات الرقمية، التي تستبدل التعبير الحقيقي بعناصر مصطنعة، ممّا ينذر بتحول المجتمع إلى فضاء لظلال بدلاً من البشر.

## المقاومة الساكنة: المشي والصمت

ضمن شعاره لاستعادة الحسية والوجود، يطرح لو بروتون المشي والصمت كأدوات سياسية وجودية ضد سرعة الحداثة التقنية. فالمشي يعيد إيقاع الإنسان البيولوجي وهو انتفاضة على زمن الإنتاجية، بينما الصمت يسمح باستعادة عمق المعنى وسط فيض البيانات والثرثرة.

## الحواس الضائعة واستعادة “نكهة العالم”

ينتقد لو بروتون الهيمنة البصرية في المجتمعات الحديثة التي تُهمش حواس اللمس والشم والذوق، ما يعزز الاغتراب ويُضعف الروابط الحسية مع الواقع. ولذلك، يدعو إلى إحياء الممارسات الحسية اليومية مثل الطبخ والتلامس الحميم والانغماس في الطبيعة لتحرير الحياة من البرودة الاصطناعية.

## أزمة الهوية والاختفاء عن الذات

يحلل لو بروتون “تعب الهوية” في عصر الفردانية، حيث يصبح “أن تكون نفسك” مهمة متعبة تستلزم أدواراً متواصلة. تظهر استراتيجيات “الهروب الناعم” كحالة “البياض” التي تتمثل في الانسحاب التدريجي عن الحضور الاجتماعي، وتُعتبر آلية دفاعية لالتقاط الأنفاس وحدود الاحتراق النفسي.

كما يستعرض أنماطاً متطرفة من الاختفاء الاجتماعي، مثل ظاهرة الهيكيكوموري اليابانية، ومرض الزهايمر بوصفهما انفصالاً وجودياً يعبر عن إرهاق الذات. ويُبرز حالات حقيقية تعكس هذه الأزمات مقابل سعي الفرد إلى “برهان على الصدق” عبر مخاطرات جسدية تُعيد تأكيد الوجود الحي.

## خاتمة: إعادة تأصيل الوجود في زمن الطيفية

يشكل مشروع دافيد لو بروتون دعوة من أجل استعادة “اللقاء الجسدي” والاعتراف بالآخر في زمن هيمنة الرقمنة وغياب الوجه الحقيقي. فالأزمة ليست تكنولوجية وإنما إنسانية جوهرية تتطلب العودة إلى ممارسة البطء، وإحياء الصمت، والانفتاح على الحواس والعالم المادي.

يبقى تحدي الإنسان المعاصر كيف يستعيد سلطته على جسده واللحظة الحسية وسط ضغط العالم الرقمي، ليثبت أن وجوده الحقيقي يكمن في “نكهة الحياة” والتجارب الجسدية الحقيقية، لا في البيانات المشوشة وشاشات الفضاء الافتراضي.

هذا المشروع السوسيولوجي والأنثروبولوجي يعد منارة ثقافية وفلسفية لفهم تعقيدات الوجود الإنساني المعاصر وسط تحولات جوهرية في معنى الذات والجسد والهوية.

شاهد أيضاً

يهيمن فيلم “معركة تلو الأخرى” على جوائز بافتا السينمائية

شهدت لندن مساء الأحد 22 فبراير 2026، احتفال الدورة التاسعة والسبعين لجوائز البافتا البريطانية لفنون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *