تُجسد الصحراء التونسية، لا سيما في المناطق الجنوبية مثل مطماطة وتوزر، الخلفية الحقيقية والكوكب الأسطوري “تاتوين” في سلسلة أفلام “حرب النجوم”. فقد تجاوزت هذه المواقع الاستوديوهات السينمائية التقليدية لتصبح جزءًا لا يتجزأ من سرديات الخيال العلمي، معتمدة على هندسة محلية موروثة تعكس تفاعل الإنسان مع قسوة المناخ.
يرجع اختيار المخرج جورج لوكاس لتونس في تصوير مشاهد الصحراء إلى تميز العمارة التروغلوديتية في مطماطة، حيث البيوت محفورة داخل الأرض لدرء حرارة الصيف القاسية. تجسد هذه الأقنية المفتوحة على ساحات داخلية الحياة البسيطة والمدافعة عن البقاء في بيئة صعبة، مما جعله المكان المثالي لبيت عائلة “لارس” التي عاشت فيها شخصية “لوك” الأساسية.
إلى جانب مطماطة، تمثل كثبان نفطة وتوزر الصحراوية أماكن تصوير رئيسية، مع مواقع مثل “عنق الجمل” التي أصبحت رمزًا بصريًا لا يُنسى في الفيلم. كما ساهمت الديكورات المهجورة في “موس إسبا”، التي تحاكي مدناً فضائية، في إثراء المشاهد المرتبطة بـ”تهديد الشبح”، مما يعكس تناغم العمارة الأمازيغية مع رؤية الخيال العلمي.
التجربة التي جمعت بين جمال الصحراء التونسية وروح الفضاء الخيالي عبرت عن إمكانية الاستفادة من البيئات الحقيقية لإثراء العمل الفني وتحقيق مصداقية أكبر بعيدًا عن المؤثرات البصرية الصناعية. ولا يقتصر أثر هذه المواقع على الشاشة فحسب، بل امتد ليصبح حافزًا قويًا للسياحة الثقافية، حيث يتوافد عشاق السلسلة من مختلف أنحاء العالم لزيارة أماكن التصوير، والتفاعل مع الواقع الذي ألهم تلك الأساطير السينمائية.
ورغم التحديات البيئية التي واجهتها هذه المواقع كالتآكل والتدهور، فإن الشغف بها مستمر في التصاعد، مما جعلها تمثل إحدى الأصول السياحية الثمينة في تونس. فتلك المواقع لم تعد مجرد أماكن تصوير، بل أصبحت ذاكرة حية واقتصاد ثقافي ينبض بالحياة، يحمل بصمة فنية فريدة ويمثل جسراً بين التاريخ المحلي وأجيال الثقافة العالمية.
sahefa.digital
