يكشف الصراع الخفي بين الإعلام وشركات التقنية الكبرى

في عصر تهيمن فيه التكنولوجيا على صناعة الأخبار، لم يعد الصراع بين المؤسسات الإعلامية وشركات التقنية الكبرى يُقتصر على خلافات مالية فقط، بل بلغ مستوى معارك تُحكمها السيادة المعرفية. فبعد سنوات من وصف المؤسسات الإعلامية لمنصات التواصل بأنها مجرد “أكشاك جباية” تعيق حرية الإنترنت المفتوح، أصبحت تلك المنصات هي البوابة الأساسية التي تتحكم في كيفية وصول المحتوى إلى الجماهير.

يبرز الكاتب جوشوا بنتون في تقريره من مختبر نيمان لاب التناقض الذي يعايشه الناشرون. فبينما يستمر المديرون الإعلاميون في اتهام عمالقة التقنية بسرقة عوائد الإعلان والجمهور، هم في الوقت ذاته لا يتخلون عن توفير موارد ضخمة لإغراق هذه المنصات بمحتواهم، محاولة بذلك التكيف مع خوارزميات فيسبوك وإكس.

## فرص الوصول أم الاستقلالية؟

تشير الدراسات الحديثة، ومنها ورقة الباحث راسموس كليس نيلسن، إلى أن استمرار الاعتماد على المنصات لا يُعد نفاقًا بقدر ما هو تحليل دقيق للمقايضات التي يواجهها الناشرون بين الوصول إلى جمهور واسع مقابل الحفاظ على استقلالية مفقودة تدريجيًا.

وتبرز البيانات أنه رغم أن مصادر الحركة المرورية من فيسبوك لا تزيد عن 4%، إلا أن المؤسسات الكبرى مثل بي بي سي ونيويورك تايمز تتجه بقوة لزيادة تواجدها على منصات مثل يوتيوب وتيك توك، معترفة بأنها ضرورة حتمية وسط «الضوضاء الرقمية» المتزايدة.

وفي محاولة للتحرر، تحولت العديد من المؤسسات إلى نماذج الاشتراك المباشر والبودكاست والنشرات البريدية، سعياً لتقليل التبعية والتحكم في علاقة الجمهور بعيدًا عن قيود خوارزميات شركات التقنية.

وعلى صعيد أكثر حساسية، سلّط جوشوا بنتون الضوء على محاولات الناشرين للوقوف بحزم ضد وصول روبوتات الذكاء الصناعي، مثل “شات جي بي تي”، إلى محتواهم، مما يدل على تحولات جديدة في استراتيجيات الدفاع عن الملكية الفكرية والمصادر الإخبارية.

يبقى المشهد الإعلامي التقني معقدًا بين التحالفات والصراعات، حيث تتشابك المصالح التجارية الفكرية مع تحديات عصر المعلومات وإغراءات الانتشار الرقمي، مما يدفع المؤسسات إلى إدارة معارك دقيقة ضمن “زواج كراهية” يبدو أنه سيستمر في تشكيل مستقبل الإعلام.

شاهد أيضاً

تدير نيويورك تايمز طوفان الوثائق بتحقيق دقيق ومتكامل

عندما أفرجت وزارة العدل الأمريكية عن نحو ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق بالإضافة إلى آلاف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *