في عاصمة القوة السياسية، واشنطن، لم يعد الصراع بين أجنحة الحكم حالة تنافسية اعتيادية، بل تحول إلى حالة احتكاك مستمر تحمل في طياتها تهديدات وجودية للمؤسسات الأمريكية.
يعكس الفن الأمريكي هذا الواقع السياسي المعقد من خلال أعمال سينمائية ومسلسلات درامية تناولت صراع المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية، لتغدو بذلك بمثابة مرآة حادة توثق التحولات والتوترات التي تشهدها الولايات المتحدة.
## السينما كمرآة للصراع
بدأت أعمال مثل فيلم “كل رجال الرئيس” في عام 1976، الذي يوثق فضيحة ووترغيت، بتسليط الضوء على قوة الصحافة في تفكيك مؤامرات السلطة التنفيذية، ما بعث رسالة واضحة حول دور الإعلام كسلطة رابعة تحمي الديمقراطية.
بينما أعاد فيلم “جيه إف كيه” فتح ملف اغتيال الرئيس كينيدي، مثيرا فرضيات عن انقلابات داخلية وأدوار لا تُكشف في أجهزة الحكومة، مما استثار المؤسسة الأمنية والكونغرس في آن واحد.
ولم تغفل السينما تحذير المجتمع الأمريكي من توسع صلاحيات الأجهزة الأمنية، كما ظهر بوضوح في فيلم “عدو الدولة”، الذي طرح مسألة المراقبة الشاملة وتأثيرها على الحريات المدنية.
وأعاد فيلم “ذا بوست” تذكير الجمهور بقوة الصحافة في كشف أسرار الدولة حتى في وجه تهديدات السياسة والقضاء.
## الدراما التلفزيونية وتأملات سياسية
شكل مسلسل “بيت من ورق” تحولاً درامياً نوعياً أظهر السياسة كلعبة نفوذ وقوة تتحكم بها أضراس السلطة، مع تصوير دقيق لاستغلال النفوذ والفساد داخل أروقة الحكم.
على النقيض، قدم “الجناح الغربي” تصوراً تاريخياً لرغبة التعاون والتفاهم بين الرئاسة والكونغرس، مثمناً قيمة الاحتكاك الصحي بين السلطات.
بالمثل، رصد مسلسل “الوطن” الفجوات في الثقة بين البيت الأبيض والمخابرات، مع تسليط الضوء على انحياز التقارير الأمنية واستخدامها سياسياً.
أما “فضيحة” فتناول توغل جماعات الضغط والمستشارين غير الرسميين في إدارة أزمات الرئاسة، مع التركيز على أهمية القوة غير المرئية في صنع القرار.
ومع تصاعد الصراعات الحديثة، لجأ “المعركة الجيدة” لاستعراض الخلافات الدستورية بين القضاء والسلطة التنفيذية، مع تعبير قوي عن انقسام الواقع السياسي الأمريكي الحالي.
## الفن كموثق ومفسر لصراع القوى
لم تكتف السينما والدراما بتوثيق الأحداث السياسية فحسب، بل شرحت الدوافع الخفية وراء الصراعات ومهدت لفهم أعمق لنزاعات المؤسسات، مظهرة أن الدولة ليست هي الحارس الحيادي للقانون، بل لاعب براغماتي يخضع لميزان قوى متغير.
تسلط هذه الأعمال الضوء على الأزمة الهوية التي تواجهها الولايات المتحدة، حيث تتآكل الثقة المتبادلة بين أجنحة الحكم، مما يجعل الصراع ليس بين الخير والشر، بل بين مؤسسات متشابكة ومتضررة.
في النهاية، تعكس هذه الأعمال الفنية دعوة لفهم أعمق لتعقيدات الدولة الحديثة، وتوضح أن الفنون ليست ترفاً بل ضرورة لفهم كيف تُدار الحروب المنتظمة داخل بنيان الحكم الأمريكي.
sahefa.digital
