يشكل العداء الإيراني للولايات المتحدة الأمريكية ودولة إسرائيل محوراً معقداً يتداخل فيه الفكر والتاريخ والسياسة بشكل عميق، إذ لا يمكن فصله عن الأبعاد الاجتماعية والثقافية التي تشكل وعي المجتمع الإيراني عبر مراحله التاريخية المتنوعة.
## جذور فكرية وتاريخية متأصلة
لقد سبق للعداء الإيراني المعاصر ظهور أي ردود أفعال سياسية معروفة، إذ يعود إلى تطور فكري بدأ في أوائل القرن العشرين، مع نتائج عدة مثل نشوء الجهادية الشيعية على يد نواب صفوي وتبلور الخطاب المناهض للاستعمار والغرب وضده بفضل مفكرين كجلال آل أحمد وأحمد فرديد.
فالعداء لا يمكن فهمه بمعزل عن الصراعات الاجتماعية والسياسية التي مرت بها إيران، مثل انقلاب عام 1953، الذي مثل نقطة محورية أدت إلى تحالف بين الفقه السياسي والعقيدة الثورية، مأسسه الخميني لاحقاً، من خلال تفسير الوجدان الجمعي كمأساة وجودية.
## مأسسة العداء وتوظيفه سياسية وثقافياً
استثمر قادة الثورة الإسلامية خصوصاً الخميني هذه الرؤية في إقامة نظام ولاية الفقيه الذي أسس هوية الجمهورية الإسلامية على مواجهة ما سمّاه “الاستكبار العالمي”، محدداً أميركا بـ”الشيطان الأكبر”.
وفي إطار هذه الوعي، ارتبط العداء لإسرائيل وللولايات المتحدة بالواجب الديني والعقائدي، حيث لم يعد مجرد موقف سياسي بل عقيدة وجودية لا تقبل المساومة أو التراجع.
## آفاق الفكر الإيراني المناهض للغرب
يمثل هذا العداء ثمرة تراكمية لأفكار عدة كشفت عن أزمة ذات عميقة في مواجهة تحديات الحداثة، حيث اعتبر مفكرون مثل فرديد وداوري الغرب تجسيداً للهيمنة التقنية والإنسانوية التي تُنزع الروح والهوية من المجتمعات الشرقية.
كما ساهمت أفكار علي شريعتي التي دمجت بين الماركسية الإسلامية والتاريخ الشيعي الثوري، وموقف مصطفى شمران العرفاني الثوري، في تعزيز ثقافة المقاومة الجامعة بين السياسي والفكري والروحي.
باختصار، لا يمكن اختزال العداء الإيراني للغرب وإسرائيل إلى مجرد رد فعل على سياسات أو أحداث عابرة؛ فهو صيرورة متجذرة في بنية فكرية وتاريخية لا تزال تشكل الرؤية الإيرانية المعاصرة للعالم ومصيرها.
تعكس هذه التوليفة مواقف متشابكة متوارثة تجمع بين المقاومة الدينية والسياسية، الرافضة لكل ما ترى فيه تهديداً للهوية والاستقلال.
sahefa.digital
