تتصدر حملة عروض رمضان في أوروبا المشهد التجاري السنوي، حيث تحولت مناسك الصيام تدريجياً إلى قوة اقتصادية مؤثرة تشكل جزءاً أساسياً من الرأسمالية الأوروبية.
تتنوع تلك العروض من المواد الغذائية التقليدية، إلى الديكور والمنتجات الرقمية، وصولاً إلى الحملات الكبيرة التي تشارك فيها شركات عالمية مثل كارفور ونستل، التي تهيمن على سوق “الحلال” المزدهر.
يرتكز هذا التحول على ثلاثة محاور رئيسية؛ بداية ترسيخ الوجود الإسلامي الاجتماعي في أوروبا منذ الستينيات، تلاه نمو الطلب على المنتجات الحلال بوصفها علامة تجارية موحدة، وانتهاء بمفارقة تتجلى في ازدهار اقتصادي يصاحبه تصاعد الإسلاموفوبيا.
يرى باحثون أن هذه الظاهرة مرتبطة بتيارين متنافسين في الرأسمالية الأوروبية؛ الرأسمالية المعولمة التي تستثمر في التنوع الثقافي وتحمّل المسلمين دور المستهلكين الرئيسيين، والرأسمالية القومية التي تتبنى خطاباً معادياً ويرى في المسلمين تهديداً للهوية الوطنية.
وقد ساعد ظهور شهادات الحلال المؤسسية على توسيع سوق المنتجات الإسلامية، حيث أصبحت من السلع المتوفرة على أرفف المحلات الكبرى، ما أنهى احتكارها للمتاجر العرقية التقليدية.
كما غيّرت الصحوة الإسلامية مفهوم ممارسة الدين، فبات الإقبال على المظاهر التعبدية والمنتجات الدينية خياراً واعياً، عزز مكانة رمضان اقتصادياً وشكل “وادي الحلال” قطاعاً مربحاً واسع الانتشار.
في هذا الإطار، يتجلى تأثير رأس المال في سلوك المسلمين الأوروبيين، حيث يُحوّل الدين إلى استهلاك يُدرّ ربحاً ضخماً على حساب الأبعاد السياسية والروحية.
وتبرز المفارقة بين احتضان شركات كبرى للمستهلك المسلم من جهة، وتصاعد العداء ضده سياسياً واجتماعياً من جهة أخرى، ما يعكس صراعات بنيوية عميقة بين قوى الرأسمالية المعولمة والقومية.
إن ما يحدث في أوروبا مع رمضان لا يقتصر على مجرد تسويق أو بيع، بل هو نموذج يعكس استخدام التنوع الثقافي لتحقيق أرباح مالية متضاربة مع واقع التمييز الاجتماعي والسياسي، مما يبقي المسلم عالقاً بين استغلال اقتصاده الروحي وصراعاته الثقافية.
تجسد فرنسا وبريطانيا هذه التناقضات بشكل جلي؛ فبين قمع ديني وسياسي متصاعد ونمو سوق حلال يعد من الأكبر في العالم، تظهر من جديد أسئلة الاندماج والهوية في ظل الاقتصاد العالمي الحديث.
في النهاية، يؤكد هذا التحليل أن دمج رمضان في الرأسمالية الأوروبية يعكس رؤية مكسيم رودنسون عن انسجام الإسلام مع السوق، ولكنه يثير في الوقت ذاته تحذيرات سيد قطب حول مغبة فقدان البُعد الروحي والسياسة الحقيقية للمسلمين في أوروبا.
وهكذا، تبقى قصة رمضان في الغرب عقب صراع بين قيم السوق والحفاظ على الهوية الدينية، وسط توتر قد يستمر في تشكيل السياسة والاقتصاد والاجتماع الأوروبي لسنوات قادمة.
sahefa.digital
