شغل جو أوغستين منصب مدير وحدة المنشقين في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) بين عامي 1999 و2001، وهي الوحدة المسؤولة عن إعادة تأهيل وحماية المصادر التي تنشق عن أجهزة الاستخبارات الأجنبية وتتوجه إلى الولايات المتحدة.
في مقابلة مطولة مع موقع “آي بيبر” البريطاني، استعرض أوغستين تجربته وخبرته الواسعة في التعامل مع المنشقين الروس، موضحًا الصعوبات والتحديات التي تواجه الأجهزة الأمنية الغربية في تهريبهم وحمايتهم من انتقام الكرملين.
يبدأ أوغستين حديثه بمنشق روسي بارز هو سيرغي سكريبال الذي نجا من محاولة اغتيال في سالزبوري، ويظل مكان وجوده لغزًا، مع احتمال وجوده بهوية مزيفة في نيوزيلندا. كما أشار إلى مقتل الطيار ماكسيم كوزمينوف في إسبانيا بعد فراره إلى أوكرانيا ودعوته لتغيير الولاءات.
يصف أوغستين شخصية المنشقين بالمعقدة، مشيرًا إلى أنهم ليسوا أشخاصًا عاديين، بل يتميزون بسمات أنانية وعدوانية، مع ثقة زائدة بأنفسهم حتى أنهم يرون أنفسهم أذكى من المسؤولين الذين يشرفون عليهم.
من النوادر التي رواها أوغستين قصة منشّق روسي كان يظن نفسه وريثًا للسلالة القيصرية وجلس على “عرشه” داخل شقته الصغيرة، وهو ما اضطر السي آي إيه إلى التكيف معه نظرًا لقيمة المعلومات التي وفرها. كما تذكر موقفًا كوميديًا عندما أُبلغ بضرورة إخراج جاسوس ومعه 35 قطّة.
أوضح أوغستين أن بعض المنشقين يعانون من الرج paranoia إثر تجاربهم القاسية، مما يجعل التعامل معهم أمراً دقيقًا، كما بيّن أن من الأفضل تجنب الحاجة إلى التعامل مع المنشقين لأن المصادر السرية المثالية تبقى مختفية وتتقاعد بهدوء في بلدانهم.
يعود المحرك الرئيس لانشقاق الجواسيس، بحسب أوغستين، إلى دوافع مالية أو جروح كبرياء، وليس الأيديولوجيا كما كان الحال في الماضي مع شبكات مثل “كامبريدج فايف”، مع تأكيده على أن الأجهزة الاستخباراتية تقدم التزامًا بحماية هؤلاء مدى الحياة لتشجيع الآخرين على المجازفة.
تختلف طرق التهريب بين السهولة والنزوح العاجل، ومنها حالة طارئة تم فيها استخراج جاسوس قبل يوم واحد من اعتقاله.
ويستعرض أوغستين قصصًا واقعية تشبه روايات الجاسوسية، مثل حالة أوليغ غوردييفسكي الذي هرب عبر الحدود الفنلندية داخل صندوق سيارة دبلوماسية، وهو حدث يعكس خطورة وتعقيد عمليات الانشقاق.
بعد الهروب، يواجه المنشقون صدمة الواقع الجديد، مع تغيير الاسم وقطع كل الروابط مع ماضيهم، كما لا يمكن إجبارهم على التخلي عن أسمائهم الحقيقية إن تعلق الأمر بذلك، وهو ما يمثل جزءًا من هويتهم الوحيدة.
واستحضر أوغستين مأساة ريشارد كوكلينسكي، الذي سرب آلاف الصفحات من الوثائق العسكرية السوفياتية، وعانى من فقدان أبنائه في ظروف غامضة ربما كانت انتقامًا.
كما ذكر مثال المنشق ألكسندر زابوروجسكي الذي تجاهل تحذيراته، فاعتقل في سيبيريا قبل أن يتم تحريره ضمن صفقة تبادل جواسيس.
يبقى العمل مع المنشقين بالمجمل مهمة محفوفة بالمخاطر والتحديات، مع حاجة ملحة لحماية هذه الفئة التي تلعب دورًا مهمًا في فضح أو تعطيل خطط الأجهزة الاستخباراتية المعادية.
sahefa.digital
