يحصد رمضان في الغربة تحديات النفس والأمان الاجتماعي

في أول ليلة من شهر رمضان، يواجه الكثير من الرجال العرب المغتربين تحديات نفسية واجتماعية كبيرة تتمثل في الوحدة بعد ابتعادهم عن بيئة الأسرة التي كانت توفر لهم الأمان والانتماء.

إن الغربة ليست مجرّد عملية انتقال من مكان إلى آخر، بل هي فقدان شبه كامل للأجواء الحميمية التي ترافق مناسبات مثل رمضان. فالغياب عن رائحة الطعام قبيل الإفطار، والمرئيات العائلية في المنزل، والصخب العائلي الذي يسبق الأذان، تحدث فراغاً عميقاً يشعر به كثير من المغتربين.

الدراسات النفسية تؤكد أن هذا الشعور بالوحدة لا يعد ضعف شخصية أو نقص إيماني، بل هو استجابة بشرية طبيعية لفقدان الإطار الاجتماعي المكثف والمألوف. ولذلك يصبح التحدي الأكبر كيف يمكن تحويل المكان الصامت والغريب إلى فضاء آمن نفسياً ولو بحدود محدودة.

## الدين كوسيلة للتخفيف النفسي

أظهرت أبحاث مُنظمة أن التدين الفعال المتوازن يمارس دور الوسيط الذي يخفف الضغوط النفسية، عوضاً عن النظرة السلبية التي تعتبر كل محنة عقابًا إلهيًا. فالدين المستند إلى قناعات داخلية وممارسة يومية منتظمة، مثل الدعاء والتوكل، يُمنح الرجل المغترب قوة معنوية تساعده خلال رمضان بعيدًا عن أسرته.

## طقوس صغيرة تعزز الاستقرار النفسي

رغم غياب الاحتفالات الرمضانية التقليدية، فإن بناء روتين يومي بسيط مثل سحور ثابت، ومشي بعد الإفطار، أو لحظات تأملية بعيدة عن الهواتف يُسهم في خلق إحساس بالاستقرار والطمأنينة. هذه العادات الصغيرة تثبت المزاج وتوازن النفس بعيداً عن الفوضى.

## بناء شبكة اجتماعية ومساندة صغيرة

أبحاث الهجرة تؤكد على أهمية وجود شبكة علاقات حتى ولو محدودة. فيمكن تعزيز الانتماء عبر الالتزام بمسجد واحد، أو إقامة علاقات بسيطة مع زملاء العمل أو الجيران، كما أن الاتفاق على إفطار جماعي أسبوعي يُقلل الشعور بالعزلة ويُعمّق الانتماء في المجتمع الجديد.

## تنظيم العلاقة مع التكنولوجيا

مكالمات الفيديو مع الأسرة تعد نعمة حقيقية لكنها قد تتحول إلى مصدر ضغط إذا أصبحت مجالاً للمقارنات اليومية. لذا يجب تنظيم أوقات الاتصال والاعتماد على استخدام التكنولوجيا لتعزيز العلاقات، لا كبديل يخفف عبء الحضور الإنساني.

## وضع حدود واقعية والاعتراف بالعبء

يقع الرجل المغترب تحت ضغط هائل من العمل، الإرسال المالي، ومسؤوليات العائلة عن بعد. ومن حقه أن يحدد حدودًا واضحة لما يستطيع تقديمه نفسيًا وعمليًا ودينيًا، لأن الاعتراف بهذه الحقيقة هو خطوة ضرورية للحفاظ على الصحة النفسية والاستمرار.

## متى يجب طلب الدعم؟

تتجاوز الوحدة أحياناً حدودها لتصل إلى أعراض قلق واكتئاب حادة تزيد في الحالات التي تستمر لأكثر من أسبوعين. يشدد الخبراء على أن طلب الدعم من الأصدقاء، الأئمة، أو المختصين الصحيين لا يقلل الرجولة أو الإيمان، بل يُعد من مظاهر الحفاظ على النفس وحمايتها.

الرجولة في الغربة ليست في تحمل الصمت أو الضغط وحده، بل في الاعتراف بالتعب والضعف، واستخدام الدين كدعم، وتأسيس طقوس يومية صغيرة، وتوفر شبكة اجتماعية تساعد على الثبات، بالإضافة إلى طلب العون عند الضرورة. إن تحقيق هذه التوازنات يُمكّن الرجل المغترب من صناعة جو رمضاني مختلف، يجمع بين السلام الداخلي والصمود النفسي بعيدًا عن الضوضاء المعتادة.

بهذا الفهم المتوازن، يمكن لكل من يعيش الغربة أن يحوّل صمته إلى مصدر أمان وطمأنينة، محققًا رمضانًا يحمل روحه الحقيقية حتى ولو بقي محاطًا بالهدوء والصمت.

شاهد أيضاً

نساء غزة يتحدين الجوع والحصار بقيادة بطولية

وسط أزقة دير البلح في غزة، تواجه نساء القطاع وضعاً إنسانياً مأساوياً يتمثل في تفاقم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *