شهد شمال المغرب تصاعداً ملحوظاً في مستويات المياه خلال الشتاء الحالي، حيث عادت الأنهار إلى استعادة مساراتها الطبيعية عبر السهول المنبسطة، ما أسفر عن فيضانات واسعة امتدت لتغمر مدناً وقرى تضمّنت مساحات زراعية ومناطق سكنية.
عبر سنوات من الجفاف، اعتقد السكان أن مجاري الأنهار قد استقرت، معتمدين على توسّع النشاط الزراعي والامتداد العمراني قرب الأنهار. لكن الأمطار الغزيرة لهذا الموسم كشفت حقيقة الجغرافيا المائية التي لم تُمحَ من ذاكرة الأرض، مؤكدة على أن الفيضان هو دورة طبيعية تواجهها السهول الفيضية.
وتوضّح صور الأقمار الصناعية، التي تمّ تحليلها عبر وحدة التحقيقات الرقمية في شبكة الجزيرة، امتداد رقعة المياه في ما لا يقل عن 13 مدينة وقرية شمالية، مع ارتفاع ملحوظ في منسوب 11 سداً رئيسياً، أبرزها سد الوحدة وسد واد المخازن اللذان بلغتا حدود السعة الكاملة مما اضطر إلى تصريف المياه باتجاه مجاري الأنهار.
امتدت الفيضانات إلى الداخل الزراعي في سهول نهر سبو ونهر اللوكوس، حيث تحوّلت آلاف الهكتارات من الأراضي المزروعة إلى مسطحات مائية مؤقتة، ما أثّر في النسيج العمراني للمدن مثل القصر الكبير والصغير، والعديد من القرى والطرق الريفية.
توضح الظاهرة هيدرولوجياً مفهوم “مسار الغمر” الذي يعكس المناطق التي تتوسّع إليها مياه الأنهار عند الفيضان في سهول منخفضة الطابع، مشكّلة مسطحات فيضية خصبة وغنية بالتربة، لكنها عرضة للغمر المتكرر عند ارتفاع مناسيب المياه.
وأظهرت التحليلات أن المياه لم تتخط الحواجز الطبيعية أو التضاريس المرتفعة، بل عادت إلى قطاعاتها الطبيعية التاريخية، ما يشير إلى أن الأحداث الحالية ليست استثنائية بقدر ما هي تأكيد لقوة الجغرافيا والذاكرة المائية للأرض.
في ظل ارتفاع هطول الأمطار بنسبة تجاوزت 35% مقارنة بالمتوسط التاريخي وتصاعد معدل ملء السدود إلى مستويات غير مسبوقة، فإن السيناريو نفسه قد يتكرر مستقبلاً مع تكرار الظروف المناخية ذاتها، خاصة مع بقاء التوسع العمراني والزراعي ضمن نطاق المسطحات الفيضية.
ترسم هذه التغيرات فيضانات متسلسلة قد تضع المناطق المنكوبة في مواجهة تحديات إدارة المياه، وضرورة مراجعة خطط الاستيطان والاستثمار الزراعي بما يتوافق مع الطبيعة الحقيقية لدورة مياه الأنهار.
ختاماً، توجّه الفيضانات رسالة واضحة إلى الجهات المعنية بضرورة التقيد بمسارات الغمر الطبيعية واحترامها في التخطيط المكاني، لضمان تقليل آثار الفيضانات المستقبلية وحماية الأرواح والممتلكات في شمال المغرب.
sahefa.digital
