في عصر تزداد فيه مشاغل الحياة وتتزاحم حول الإنسان الملهيات، يثير السؤال القديم: لماذا نصلي ولا نشعر بالتغيير؟ طرح الشيخ محمد الحسن ولد الددو، رئيس مركز تكوين العلماء، هذا السؤال خلال استضافته في برنامج “أيام الله” على قناة الجزيرة مباشر، ليضع بين أيدينا شرحًا معمّقًا عن معنى ومفتاح الخشوع في الصلاة.
عرّف الشيخ الخشوع بأنه حالة قلبية يتملك فيها المؤمن مزيج من الخوف والحياء من الله، واستشعار الوقوف بين يديه كما لو كان في محضر يوم القيامة. وأكد أن الصلاة ليست حركات وألفاظًا فقط، بل عمل متكامل للقلب واللسان والجسد، فالخشوع هو روح الصلاة التي تربي الباطن على الإحسان.
أشار الددو إلى أن النية والحضور الواعي هما المثال الأعلى للصلاة الصحيحة، وأن الخشوع يمثل أوج هذه المعاني. كما ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الرجل ليصلي الصلاة ما كتب له نصفها… حتى العشر”، دليلاً على نقص الثواب بقدر غياب الخشوع.
وأكد أن الخشوع لا يمكن بلوغه بعلم نظري فقط، بل هو ثمرة إيمان حي ينبع من الذكر القلبي وقيام الليل، حيث يرق قلب المصلي ويحن إلى الوقوف بين يدي الله. وبيّن أن الذكر نوعان: مقيد بأوقات ومطلق لا حدود له، مضيفًا أن أهمية القيام بالليل تكمن في حضور القلب وليس في عدد الركعات.
ولفت الشيخ إلى أن غياب الذكر والقيام علامة على قسوة القلب، وأن صاحب القسوة يجد الصلاة ثقيلة ويصعب عليه التدبر، مستشهداً بالتباين بين من يدعو في الصلاة بـ”أرحنا بها” ومن يردد بلسان حاله “أرحنا منها”.
كما تطرّقت الحلقة إلى أهمية الاستعداد للصلاة عبر الوضوء الذي يُعتبر عبادة مستقلة تكفر الذنوب، ورفع الدرجات، وضرورة الصلاة على السنن الراتبة التي تمهد للصلاة الفريضة، مؤكدة أن الصلاة تبدأ بالطهارة وتكتمل بحضور القلب وخشوعه.
وشدد الشيخ على ضرورة مجاهدة النفس ومحاسبتها، لأنها إذا لم تُروض شردت، مشبهًا إياها بالدابة التي تتطلب التدريب حتى تكون مطيعة.
وعند الإجابة على سؤال أم مشغولة بأطفالها أثناء الصلاة، أشار إلى أن الشرود لا يبطل الصلاة، لكنه دعا إلى تجهيز المكان وتأمين الأطفال قبل الصلاة للسماح بتواجد ذهني وقلب حاضر.
وفي زمن السرعة والاضطراب، نصح الددو بتخصيص حين هادئ ومكان خالٍ من الملهيات لتنظيم الحياة بما يضمن حق الصلاة في الطمأنينة والسكينة.
وختم الحلقة بالتأكيد على فضل السدس الأخير من الليل، حيث الاستغفار، وذكر “سيد الاستغفار” وأهميته الكبرى عند تلاوته بيقين وحضور قلب.
تُظهر تصريحات الشيخ الددو أن الخشوع في الصلاة هو رحلة يحتاجها الإنسان تصل به إلى راحة نفسية وروحية، وليس مجرد أدائها حركات وأقوالاً، بل أن تتحرك القلوب وتنتعش الأرواح في حضرة الخالق سبحانه وتعالى.
sahefa.digital
