في موسم رمضاني اعتادت فيه الدراما الخليجية تقديم أعمال اجتماعية وكوميدية، جاء مسلسل “وحوش 2” بحلقة استثنائية بعنوان “عرس الجن” لتحول قواعد اللعبة بطرح رعب نفسي ينبع من تراث شعبي كويتي.
سرعان ما اجتذبت الحلقة اهتمام الجمهور عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تصدر وسم #عرس_الجن المراتب الأولى وانتشرت المقاطع المقتبسة منها بشكل واسع بين مستخدمي تيك توك وإنستغرام ومنصة إكس، مما يؤكد قدرة العمل على استثارة الاهتمام بإبداع التجديد في سرد الرعب.
## سردية الأسطورة والذاكرة الجمعية
العمل يستند إلى أسطورة محلية متوارثة في الوعي الجمعي للكويتيين وجيرانهم الخليجيين، عن مطربة تدعى لإحياء زفاف غامض تتحول أحداثه إلى ليلة من الرعب والظواهر الخارقة تتعلق بـ”عرس للجن”. المخرج سعيد الماروق وظف هذه القصة الشعبية باحتراف في خلق حالة خوف مسبق لدى المشاهد، ما منح العمل مصداقية وعُمقاً درامياً.
تم صياغة الرعب عبر مزجين بين المألوف والخرافة، ما أنتج نوعاً من الواقعية السحرية المظلمة تواكب ذائقة الجمهور الحديث دون التفريط في خصوصية الموروث الثقافي الكويتي.
## بناء الصور وأدوات الخوف
اتبع المسلسل تقنية “التشويق البطيء” لإثارة الرعب النفسي بعيدا عن الإفراط في المشاهد المفاجئة والمكثفة. الاعتماد على الإضاءة الخافتة والظلال والموسيقى التصويرية وكذلك هندسة الصوت وأصوات التنفس، مزج كل هذه العناصر ليخلق جواً غامضاً يتيح للمشاهد تخيل الأسوأ.
كما أن معالجة مظهر “الجن” تتم بتأنٍ لتبدو كظلال تغلغلت في وجوه البشر، بدلاً من تصويرهم بكائنات خرافية تقليدية، مما جعل الرعب أكثر قرباً إلى الواقع والحقيقة الإنسانية.
## أداء إلهام علي وتأثيره
شكل أداء الممثلة إلهام علي نقطة محورية في نجاح الحلقة، حيث جسدت التحول النفسي من الاطمئنان إلى الخوف المهيمن بعمق واحترافية، مستخدمة لغة الجسد ونظرات القلق دون الإفراط في الحوار أو الصراخ.
ساهم هذا الأسلوب في خلق تواصل وجداني مع المشاهدين، ما جعل تجربتهم أقرب إلى المشاركة في الكابوس نفسه، بدلاً من مجرد مشاهدته من بعيد.
## جدل ثقافي وديني
طرح عرض الحلقة تساؤلات ثقافية ودينية حول ملاءمة عرض قصة عن الجن خلال شهر رمضان، وهو وقت يُعتقد فيه شرعياً “تصفيد الشياطين”. هذا النقاش يعكس تحولات في تعامل المجتمع الخليجي المحافظ مع الفن والدراما الحديثة، حيث بدأ الجمهور يناقش حدود الرعب وأخلاقية تقديمه دون رفضه.
ردود الفعل المتباينة تؤشر إلى رغبة متزايدة في تجارب فنية ذات عمق وجداني أكثر تعقيداً من التسلية فقط، ما يدل على تحول في الذائقة الخليجية نحو تقبل الرعب النفسي المضمون ثقافياً.
## تعبير فني عن تحولات اجتماعية
يُنظر إلى العمل كمحاكاة لقلق المجتمع الخليجي من المجهول والمتغيرات العاصفة التي تشمل التكنولوجيا والعولمة والتغيرات القيمية. استخدام رمز “الجن” في هذا السياق يعكس مخاوف جماعية ويدعو للتأمل في الهوية والتحولات.
## الهوية البصرية الخليجية في متناول العالمي
حقق العمل توازناً رائعاً بين الحس المحلي والتقنيات العالمية من حيث الإخراج والديكور والأزياء، ليعكس هوية خليجية أصيلة تحمل معايير إحترافية معاصرة.
كما رحبت منصة “شاشا” بهذا الإنتاج النوعي الذي يعكس قدرة الصناعة الدرامية الخليجية على التنافس والتفرد دون استنساخ الرعب الغربي.
## لقاء الفن بالمجتمع والذاكرة
أصبح “عرس الجن” أكثر من مجرد عمل رعب، إذ يفتح حواراً مع الموروث الروحي الشعبي، كما يطرح رؤية جديدة لمدى قدرة الدراما الخليجية على التجدد الثقافي ومخاطبة جمهور واسع.
بهذا العمل، يتبلور فن الرعب كأداة لاستكشاف الذات الجماعية ومخاوفها، مقدماً تجربة مميزة قائمة على توظيف الخوف من الداخل.
في الختام، يذكر “عرس الجن” بأن الرعب في الفن لا يأتي فقط من مصادر خارجية، بل أحياناً يتشكل من أعماق داخلية، ما يجعله فناً يستحق الدراسة والتأمل في سياق تطور الدراما الخليجية والعربية.
sahefa.digital
