في الآونة الأخيرة، تغيرت طبيعة المحتوى على الإنترنت بشكل جذري، إذ لم يعد الإنسان المبدع المصدر الوحيد للنصوص والتفاعلات الرقمية، بل تتزايد هيمنة الخوارزميات والروبوتات على إنتاج المحتوى وتداوله. لم يعد وصف “الإنترنت الميت” مجرد توصيف تقني، بل صار إشارة إلى تغير هيكلي جوهري حول طبيعة الفضاء الرقمي.
تشير التقارير الحديثة، مثل تلك الصادرة عن شركة “Imperva”، إلى أن ما يقارب نصف حركة الإنترنت العالمية تنبع من كيانات غير بشرية، متمثلة في الروبوتات والأنظمة الآلية، حيث تشكل الروبوتات الضارة نحو 32% من هذه الحركة. هذا التحول في “التركيبة السكانية” الرقمية يُظهر تنامي الفعل الآلي على حساب التفاعل البشري المباشر.
## إعادة تشكيل اقتصاد المحتوى الرقمي
اقتصاد المحتوى بات يُدار وفق منطق خوارزمي بحت، إذ يُنتج المحتوى النصي والصوري والفيديو بمنهج آلي يهدف إلى تحسين الانتشار وليس التعبير عن تجربة حقيقية. تقدر تحليلات أن بين 60% إلى 70% من النصوص منخفضة الجودة على الويب تُنتج أو تُحرر عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، مع توقع أن تصل نسبة المحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي إلى 90% بحلول عام 2026.
في هذا السياق، يصبح المحتوى آلة تعمل ضمن دائرة مستمرة: نشر، تفاعل، توصية، وإعادة نشر، متجاوزاً بذلك قيمة المعنى والمصداقية، ليخدم فقط هدف الخوارزميات في زيادة التفاعل والانتشار.
## تأثيرات عميقة على مصداقية المعلومات والثقة العامة
تؤدي الهيمنة الآلية إلى تآكل الثقة في المحتوى الرقمي، إذ تتضاعف الإشارات الوهمية عبر حسابات آلية تخلق انطباعاً غير حقيقي عن تفاعل واسع. تشير الدراسات إلى أن 20% إلى 40% من التفاعلات الرقمية تعود إلى حسابات شبه آلية، وتقود قلة من الحسابات غالبية النشاط، مما يخلق بيئة رقمية تعج بالضجيج ومن دون تفاعل بشري أصيل.
الخوارزميات لا تعمل كأدوات حيادية؛ بل تغذي الاستقطاب وتُفضّل المحتوى الحاد والمثير على حساب المحتوى الهادئ والمتوازن، ما يسرّع من تفاقم التوتر المجتمعي وتشتت النقاش المفتوح في الفضاء العام.
## خطر على الذكاء الاصطناعي نفسه
من المفارقات أن تزايد المحتوى الاصطناعي قد يُضعف جودة تدريب الذكاء الاصطناعي، عبر ما يُعرف بـ”انهيار النموذج”، حينما تعتمد النماذج على بيانات من إنتاج نماذج مشابهة، مما يقلل التنوع والدقة المعرفية، ويحد من الاتصال العميق بالتعقيد الإنساني.
## خلاصة واستنتاج
من الصعب القول إن البنية التحتية للإنترنت قد “ماتت”؛ لكن من حيث المعنى والفاعلية الإنسانية، فإن الإنترنت يتحول إلى منظومة تنتج محتوى وظيفياً لخدمة الانتشار الخوارزمي أكثر من التعبير الإنساني الحقيقي. السؤال الذي يبقى مشروعاً هو: هل يمكن أن يعود الإنترنت إلى أصله الإنساني الأصيل وسط هذه التحولات؟
sahefa.digital
