يكشف التحولات الكبرى في انقسام الاقتصاد العالمي

على مدى العقود الثلاثة التي تلت الحرب الباردة، اعتمدت الاقتصادات العالمية على مبدأ الكفاءة الاقتصادية في قيادة قرارات الإنتاج والتجارة، حيث سعت الشركات للدقة في سلاسل الإمداد وتقليل التكاليف. لكن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وتغير السياسات التجارية، بات نموذج العولمة التقليدي على وشك إعادة هندسته.

## إعادة تشكيل النظام التجاري والسياسي

شهدت فترة ولاية دونالد ترمب تبني سياسة تجارية أكثر تحدياً، مع فرض رسوم جمركية على واردات استراتيجية من الصين ودول أخرى، وفتح جبهات ضغط على شركاء تقليديين مثل أوروبا وكندا. وقد رفع ترمب رسومًا جمركية مؤقتة إلى مستوى 15%، وهو الحد الأعلى قانونياً، مما يعكس انتقال السياسة الصناعية إلى أداة للدفاع الاقتصادي.

كما أثارت قضايا مثل غرينلاند ودعم أوكرانيا مخاوف أوروبية من استقرار الترتيبات الأمنية الأميركية، مما دفع عددًا من الدول لإعادة التفكير في تموضعها الاقتصادي والبحث عن أطر أكثر استقرارًا.

## صعود مفهوم الأمن الاقتصادي و”اقتصادات التكتلات”

لم تعد الكفاءة الاقتصادية وحدها مقياسًا يشكل حركة التجارة والاستثمار، بل صار مفهوم “الأمن الاقتصادي” محورًا أساسيًا في تحديد مواقع الإنتاج وتوزيع رأس المال. وانتشرت “اقتصادات التكتلات” كنمط تنظيمي جديد يقوم على الاصطفاف السياسي والاقتصادي كمعيار واضح لإدارة المخاطر.

تشكلت ثلاث دوائر رئيسية لهذه التكتلات: الكتلة الغربية (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، كندا، اليابان، أستراليا) التي دعمت تصنيع أشباه الموصلات محليًا وفرضت قيودًا على صادرات التكنولوجيا للصين؛ الدائرة الآسيوية بقيادة الصين التي وسعت مبادرة “الحزام والطريق” وعززت الشراكات الإقليمية؛ ومجموعة بريكس التي تسعى لتعزيز التجارة بالعملات المحلية تدريجيًا.

## إعادة هيكلة سلاسل الإمداد وتنويع المخاطر

لم يقتصر التحول على نقل الموارد الجغرافية فقط، بل شمل أيضًا فلسفة إدارة المخاطر، حيث باتت الشركات تفضل التنويع حتى على حساب ارتفاع التكاليف، لضمان مرونة أكبر في مواجهة الأزمات السياسية واللوجستية. وأظهرت الأبحاث زيادة التجارة بين الدول ذات التوجهات السياسية المتقاربة، في مقابل تراجع النمو التجاري بين الدول المتباعدة أيديولوجيًا.

## أمثلة وتحولات جغرافية واقتصادية

أصبحت المكسيك أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، متفوقة على الصين، في إطار سياسة “القرب الجغرافي”. وفي أوروبا، تهدف الاستراتيجيات الجديدة لتقليل الاعتماد على الصين في المواد الخام الحيوية عبر شراكات مع أفريقيا وأميركا اللاتينية. أما دول الخليج فتوازن بين علاقاتها الصينية والأميركية، ما يبرز دورها كدولة وسيطة بين التكتلات.

## التحديات الاقتصادية والآفاق المستقبلية

يحذر صندوق النقد الدولي من تأثيرات سلبية لانقسام الاقتصاد العالمي قد تخفض الناتج الإجمالي، نتيجة لزيادة التكاليف التضخمية وتكرار الاستثمارات الصناعية ضمن دوائر متقاربة. ورغم ذلك، يرى خبراء أن التنويع قد يعزز المرونة ويحد من تأثير الصدمات مستقبلاً، وإن كان ذلك على حساب الكفاءة القصيرة المدى.

تُظهر هذه التحولات أن العولمة في مرحلتها الجديدة لم تنتهِ، إنما أُعيدت صياغتها عبر نظام تحالفات وتكتلات تعيد تعريف العلاقات الاقتصادية العالمية، حيث تتقدم السياسة على الاقتصاد، ويصبح الاصطفاف محورًا رئيسًا في رسم خرائط التجارة العالمية.

وبذلك، يخطو الاقتصاد العالمي نحو مرحلة “الترابط الاستراتيجي”، تصيغها مصالح الأمن القومي والسيادة التكنولوجية، ويصبح السؤال: من سيضع قواعد هذه الشبكات الاقتصادية، وكيف ستُعاد هندسة العلاقات في ظل هذا الواقع الجديد؟

شاهد أيضاً

يرتفع سعر الذهب في مصر مع انخفاض الدولار وتوترات إقليمية

شهدت أسعار الذهب في مصر ارتفاعًا ملحوظًا اليوم الاثنين، حيث اقترب سعر عيار 21 من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *