شهدت الدراما السورية تغيرات جذرية بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، حيث لم تمُر العاصمة دمشق باستعادة نشاطها العادي فقط، بل بدأت تطوي صفحة ثقافية هامة أثّر هذا الحدث السياسي العميق عليها بشكل مباشر.
ما قبل التحرير، كانت الدراما السورية تُجرى تحت رقابة مشددة تُشبه السدّ الذي يمنع تدفق الأصوات والأفكار بحرية. حسب نقيب الفنانين مازن الناطور، كان السد يُقيد المشاريع ويمنع انتشارها، أما بعد الانهيار فقد انفتح المجال أمام تدفقات غزيرة من الأفكار يُنتظر منها أن تتفتح أرضية خصبة للإبداع، مع ضرورة تمهّل الضبط والترشيد للحد من الأضرار المحتملة.
## اندلاع الثورة وأثرها على المحتوى الدرامي
مع اندلاع الثورة في مارس 2011، شهدت الدراما توترات متعددة. حاولت بعض الجهات تقديم مصالحات وتهدئة، لكن استمرار العنف والتطرف من النظام المخلوع دفع جزءًا من الإنتاج للابتعاد عن المسائل السياسية، مما أدى إلى تقليص حجم الأعمال التي تعكس الواقع السوري المؤلم.
إزاء ذلك، لجأت أجهزة النظام إلى إنتاج مسلسلات تصدّر صورة مزيّفة عن الحياة دمشقية، مستخدمة الإنتاج الضخم إلا أنها لم تحقق نجاحًا جماهيريًا يذكر. هذه المرحلة كانت تمهد لدراما خدمية للنظام ضمن إطار تلميع صورته وتصدير خطابه السياسي.
## آثار التحرير على صناعة الدراما
تغييرات جدرية طرأت على الدراما بعد سقوط النظام؛ فمساحات جديدة من الموضوعات التي كانت محرّمة سابقًا أصبحت مكشوفة وصارت تمس الذاكرة، العدالة، الانتهاكات، التحول المجتمعي، وقضايا الانقسام الاجتماعي بشكل مباشر. حيث تحولت الخطوط الحمراء من حماية أجهزة السلطة إلى حماية المجتمع ومنع التحريض.
الرقيب لم يعد يمنع النصوص مسبقًا، بل أصبح شريكًا في الحوار والتعديل. كما شهدت البيئة الإنتاجية عودة شركات وتسهيلًا في تنفيذ المشاريع مع ما يزال التحدي المالي واللوجستي قائمًا.
في المقابل، تغير فرص الفنانين نفسيًا ومهنيًا فانتقلوا من صمت واضطرار إلى تعبير أوسع، رغم خضم الجدل الدائر حول بعض الأعمال.
## إنتاج درامي جريء ومواضيع حساسة
برزت أعمال توثق القضايا المؤلمة التي كانت طيّ الكتمان، مثل سجن صيدنايا والمجازر التي حدثت في العقود الماضية. وتميز الموسم الجديد من الدراما بمرونة رقابية عالية لم تسجل معها حالات منع تُذكر، مع دعم حكومي واضح يشمل تسهيلات وحماية فرق التصوير.
ومع هذه الحرية، واجه بعض الأعمال مثل “قيصر: لا مكان لا زمان” انتقادات واسعة بسبب معالجة مباشرة لقضايا المعتقلين والمفقودين، مما يُبرز تحديات التعبير بموضوعية ومسؤولية.
## آفاق المستقبل في ظل الدعم العربي
بالرغم من أن الانتعاشة المحلية قد لا تؤثر بشدة على الأعمال المشتركة، إلا أن التطلع يستمر نحو تطوير سوق العرض المحلي ودعم الإنتاج الوطني. مؤخرًا أبدت جهات عربية استعدادها لدعم الدراما السورية، ما يمنح فرصة لتعزيز تنافسية الصناعة والارتقاء بها.
يتضح أن مرحلة ما بعد التحرير تشكل نقطة انطلاق لإعادة تعريف العلاقة بين الفن والمجتمع، حيث الحرية الواسعة يجب أن تقترن بمعالجة موضوعية لهوية واضحة تحمي المجتمع وتعزز التعددية والتنوع، بعيدًا عن خطاب التمجيد الأحادي أو التحريض الطائفي.
إنها مرحلة انتقالية تتطلب الحكمة والاحترافية لضمان أن تكون الدراما السورية رافدًا حقيقيًا للثقافة والوعي في الشرق الأوسط.
sahefa.digital
