الطيب بوعزة: قراءة التاريخ تحتاج وعيًا نقديًا وأدوات تأريخ متطورة

في ظل تعقيدات الروايات التاريخية واستخدام الماضي لأغراض سياسية وثقافية، يبرز سؤال جوهري عن كيفية قراءة التاريخ دون الوقوع في فخ الحياد المزيف واليقين المضلل. الدكتور الطيب بوعزة، المفكر والمؤرخ، يسلط الضوء في كتابه “المؤرخ والفيلسوف: أسئلة الإسطوغرافيا وفلسفة التاريخ” على ضرورة أن تكون القراءة التاريخية مصحوبة بوعي نقدي يسمح بفصل الوقائع عن التدوين الكتابي.

يشدد بوعزة على أن المؤرخ لا يقرأ التاريخ بمعزل عن تحيزاته الثقافية والاجتماعية، ما يجعل المنظور المقدم دائمًا معينًا وزاوية نظر معينة تُضيق أو توسع من فهم الماضي. لذلك، يعتبر “تاريخ المؤرخ” محورًا لا بد من الانتباه إليه لفهم السياقات والغايات التي تُكتب ضمنها الرواية التاريخية.

يأخذ الدكتور بوعزة مثالًا على تعدد الرؤى في تناول شخصية تاريخية كصلاح الدين الأيوبي، حيث تتباين الروايات بين ابن الأثير وابن شداد، ما يبرز تداخل العوامل الشخصية والسياسية في تشكيل السرديات. ويؤكد أن الحقيقة التاريخية ليست مطلقة في سردية واحدة، بل غالبًا ما تتوسط مجمل الروايات المتعارضة.

كما يعيد المفكر طرح أهمية الدمج بين علوم عدة، كما اقترح ابن خلدون في منظومته “علم العمران”، لبناء معرفة تاريخية شاملة، متجاوزًا الأساليب التقليدية القائمة فقط على إسناد الروايات. ويعتبر هذا التكامل ضروريًا لمواجهة الانزلاقات المعرفية وفهم الظواهر التاريخية متعدد الأبعاد.

ويرفض بوعزة التهم الموجهة إلى ابن خلدون حول السطو الفكري، موضحًا أن كثيرًا من الأفكار موجودة في الأطر الفلسفية الكلاسيكية وهي نتاج بناء منهجي له أصول مستقلة. كما يبرز أن النقد التأريخي يجب أن يتم ضمن فهم عميق للمنهجية والأنظمة المعرفية، مع الأخذ بعين الاعتبار دور الفلسفة في التأويل والتفسير.

وفي سياق الحديث عن التحولات المعاصرة في تاريخية التأريخ، يشير إلى ذبول التيار السردي وبروز توجهات نقدية تهدف إلى استعادة المعايير المنهجية الإبستيمولوجية حتى داخل الحقل التأريخي، في محاولة لإعادة ترتيب أدوات العمل التاريخي وتطويرها.

كما يؤكد الدكتور بوعزة ضرورة الانتباه إلى حلول جديدة طرأت على فهم الزمن والمكان، خاصة في زمن العولمة والرقمنة الذي يفرض تعددية زمنية ومكانية ألغى مفهوم المركزيات الأحادية. وهذا يستوجب إعادة التفكير في نظرية التأريخ بما يتناسب مع السياق العالمي المتحول.

ويشير إلى أهمية
الاستفادة من إسطوغرافيا الذاكرة التي برزت في الغرب، لا سيما في حفظ ذكرى الانتهاكات مثل المحرقة والتأكد من عدم نسيان الجرائم المعاصرة مثل ما يجري في غزة، داعيًا إلى إنشاء متحف عالمي يحفظ هذه الذاكرة.

وعبر تحليله لعلم الآثار، يؤكد أن الأركيولوجيا ضرورية لكنها لا تكفي وحدها لفهم التاريخ، إذ ينبغي الجمع بين نتائج الحفر التأريخي والتأويل النقدي للوصول إلى فهم أعمق للمعاني الكامنة وراء الأدلة المادية.

كما يستعرض الدكتور بوعزة التطورات الفكرية لفلسفة التاريخ، بدءًا من التوجهات الوضعيّة إلى المنعطفات النقدية واللغوية، موضحًا أن فلسفة التاريخ تعكس محاولات فهم شاملة للتاريخ ككلٍ وليس معطى مجرد.

وينتقد إلى حد ما نظريات المؤرخ هايدن وايت بخصوص رفضه للمعايير الإبستيمولوجية، مشيرًا إلى أهمية وجود معيار مرجعي لفهم التاريخ. كما يبرز تناقض كانط بين كتاباته العرقية ودفاعه عن الكرامة الإنسانية.

وأخيرًا، يقدم بوعزة رؤية فلسفية متكاملة تنطلق من الفلسفة الإسلامية، ترتكز على مفاهيم الكمال والميتافيزيقا لتأسيس فهم إنساني جامع للتاريخ، بعيدًا عن الحتميات التي قدمها الفلسفة التأملية الغربية، مع التركيز على أن الكمال مثال جاذب وليس واقعًا حتميًا.

تؤكد هذه المقاربة أهمية التحلي بالشك المنهجي والتمحيص في الروايات التاريخية، مع الوعي المستمر بدور المؤرخ والتأريخ في تشكيل الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية، مما يعزز فهمنا للتاريخ في السياق العربي والشرق أوسطي بشكل أعمق وأدق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *